تروي الصحفية دنيا أبو ستة قصة أطفال في غزة يجدون أنفسهم أمام خيار قاسٍ بين البقاء والتعليم. يستيقظ محمود، 15 عامًا، قبل شروق الشمس داخل خيمة مكتظة في خان يونس، لا يحمل حقيبة مدرسية بل كيس خيش خشن. يبدأ يومه بجمع النايلون والكرتون وقطع الخشب لاستخدامها وقودًا لعائلته، بينما يشتكي من ألم في الظهر وصدر يملؤه الغبار. يتحمل مسؤولية أكبر من عمره بعد مقتل والده في غارة جوية، ويعتبر توفير النار والخبز واجبه الأول.


تشير الجزيرة إلى أن هذه القصص لم تعد استثناءً. يدفع الانهيار الاقتصادي وتدمير المدارس آلاف الأطفال إلى سوق العمل القسري، في سياق حرب أفقرت الأسر وقلّصت سبل العيش، فصار العمل بديلاً عن الصف الدراسي.


طفولة تُستبدل بالمسؤولية

 

يتحدث محمود بحنين عن أيام المدرسة قبل الحرب، ويخفي وجهه حين يلمح معلمه القديم في السوق. يشعر بالخجل لأنه يعمل بدل أن يدرس، رغم تفوقه السابق. يمشي ساعات طويلة بحثًا عن خشب قليل، يسعل طوال الليل من الغبار، لكنه يواصل لأن البيت يحتاج نارًا. يبيع الفائض ليشتري الخبز، ويقول إن أمه تنتظره بقلق كل مساء.


مدارس مدمَّرة واقتصاد منهار

 

يرتبط اتساع عمل الأطفال بعاملين مباشرين: دمار البنية التعليمية وتدهور الاقتصاد. تُخلّف الغارات والقصف والنسف أحياءً مهدمة، وتلحق أضرارًا بمعظم المدارس أو تخرجها من الخدمة. يستخدم السكان ما تبقى من مبانٍ مدرسية كملاجئ للنازحين، فتتعطل الدراسة لعامين متتاليين على الأقل. في الوقت نفسه، ينهار النشاط الاقتصادي، وتنكمش القدرة الشرائية، وتفقد أسر كثيرة معيلها، فتدفع أبناءها إلى العمل لسد الاحتياجات الأساسية.


تتحدث العائلات عن زيادة ملحوظة في عدد الأطفال العاملين، حتى دون أرقام دقيقة. يضغط انقطاع الكهرباء وندرة الوقود وغلاء الغذاء على البيوت، فتتحول الشوارع إلى ساحات عمل مبكر، ويصبح الكيس الخشن أو عربة الشاي رمزًا لواقع جديد.


أثر نفسي ومستقبل مهدد

 

تحذر الأخصائية النفسية التعليمية يقين جمال من أن المشهد يتجاوز “عمل الأطفال” إلى تدمير منهجي لمستقبل جيل كامل. تفقد الطفولة شعورها بالأمان، ويتحمل الصغار أعباء تفوق قدراتهم الذهنية والجسدية، ما ينذر بعواقب طويلة الأمد على الصحة النفسية ومستويات القراءة والكتابة. ترى جمال أن إعادة بناء المدارس واستئناف التعليم يجب أن يتصدرا الأولويات، لأن التعليم خط الدفاع الأخير عن الهوية والمستقبل.


تظهر ليلى، 11 عامًا، مثالًا آخر. تعيل أسرتها ببيع الشاي في شارع البحر بخان يونس بسبب إعاقة والدها. تحمل صينية أكواب كرتونية وتُنادي على المارة، وتتذكر غرفتها الوردية ودمية ما زالت تحت الركام. تتمنى عودة اللون الوردي إلى حياتها، ثم تسرع لتبيع المزيد.

 

https://www.aljazeera.com/features/2026/2/12/children-gaza-forced-focus-work-rather-school